محمد حسين هيكل
273
حياة محمد ( ص )
المسلمون هذه الحصون المنيعة إلا أن يلجأوا إلى وسائل غير التي ألفوا حتى اليوم حين حاصروا قريظة وخيبر . أتراهم إن هم اكتفوا بالحصار يصلوا إلى تجويع ثقيف تجويعا يحملها على التسليم ؟ وإذا هم أرادوا مهاجمتها فما عسى أن تكون هذه الوسائل الجديدة التي يهاجمونها بها ؟ هذه أمور تحتاج إلى التفكير وإلى الوقت . فلينسحب العسكر إذا بعيدا عن مرمى النبل لكي لا يصيبه فيقتل رجال من المسلمين ، ثم ليفكر محمد فيما عسى أن يصنع . وأمر عليه السلام فنقل العسكر بعيدا عن مرمى النبل في مكان أقيم به مسجد الطائف بعد أن سلّمت الطائف وأسلمت . ولم يكن من ذلك بدّ وقد قتلت نبال ثقيف ثمانية عشر من المسلمين ، وجرح كثيرون ، بينهم أحد أبناء أبي بكر . وفي جانب من هذا المكان البعيد عن مرمى النبال ضربت خيمتان من جلد أحمر لزوجتي النبيّ أمّ سلمة وزينب ، وكانتا تسيران معه في كل هذه الوقائع منذ ترك المدينة . وبين هاتين الخيمتين كان محمد يقيم الصلاة . ولعل مسجد الطائف إنما أقيم في هذا المكان . رمي الطائف بالمنجنيق وأقام المسلمون ينتظرون ما اللّه صانع بهم وبعدوّهم . قال أحد الأعراب للنبيّ : إنما ثقيف في حصنها كالثعلب في جحره ، لا سبيل إلى إخراجه منه إلا بطول المكث ، فإن تركته لم يلحقك منه ضرّ . لكنّما شق على محمد أن يعود أدراجه دون أن يصيب من ثقيف شيئا . وكان لبني دوس ( إحدى القبائل المقيمة بأسفل مكة ) علم بالرماية بالمنجنيق وبمهاجمة الحصون في حماية الدّبابات . وكان أحد رؤسائها الطّفيل قد صحب محمدا منذ غزا خيبر ؛ وكان معه عند حصار الطائف ؛ فأوفده النبيّ إلى قومه يستنصرهم ؛ فجاء بطائفة منهم ومغهم أدواتهم فبغوا الطائف بعد أربعة أيام من حصار المسلمين إيّاها ، ورمى المسلمون الطائف بالمنجنيق ، وبعثوا إليها بالدبّابات دخل تحتها نفر منهم ، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه . لكن رجال الطائف كانوا من المهارة بحيث أكرهوا هؤلاء على أن يلوذوا بالفرار . فقد أحموا قطعا من الحديد بالنار ، حتى إذا انصهرت ألقوها على الدّبابات فحرّقتها ، ففرّ جنود المسلمين من تحتها خيفة أن يحترقوا ؛ فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلت جماعة منهم . لم يفلح هذا المجهود إذا أيضا ، ولم يستطع المسلمون التغلّب على مناعة هذه الحصون . قطع الكروم وتحريقها ماذا عساهم بعد ذلك يصنعون ؟ فكر محمد في هذا وفكر طويلا . ولكن ألم ينتصر على بني النّضير وبجلها عن ديارها بإحراق نخيلها ؟ ! وكروم الطائف أكبر قيمة من نخيل بني النّضير ، فهي كروم لها من ذيوع الاسم في بلاد العرب جمعاء ما تباهي به الطائف أخصب بلاد العرب ، وما جعل الطائف واحة كأنها الجنة وسط هذه الصحاري . وأمر محمد فبدأ المسلمون ينفّذون ، يقطعون ويحرّقون الكروم التي ما يزال لها حتى اليوم مثل ما كان لها من شهرة وذيوع صوت . ورأى الثقفيّون هذا وأيقنوا أن محمدا جادّ فيه ، فبعثوا إليه أن يأخذه لنفسه إن شاء وأن يدعه للّه وللرحم لما بينه وبينهم من قرابة . استمهل محمد رجاله . ثم نادى في ثقيف إنه معتق من جاء إليه من الطائف . ففرّ إليه قرابة عشرين من أهلها . عرف منهم أن بالحصون من الذخيرة ما يكفي أمدا طويلا . هنالك رأى أن الحصار سيطول أمده ، وأن جيوشه تودّ الرجوع لاقتسام الفيء الذي كسبوا ، وأنه إن أصرّ على البقاء فقد ينفد صبرهم . هذا وكانت الأشهر الحرم قد آذنت ولا يجوز فيها قتال . لذلك آثر أن يرفع الحصار بعد شهر من وقوعه . وكان ذو القعدة قد هلّ فرجع بجيشه معتمرا ، وذكر أنه متجهّز إلى الطائف إذا انتهت الأشهر الحرم .